وسط استمرار حالات الطوارئ الصحية الناجمة عن تفشي فيروسَي إيبولا وهانتا، اجتمعت حكومات العالم الشهر الماضي في الجمعية العامة لمنظمة الصحة العالمية، مع غياب الولايات المتحدة. وبينما يفترض أغلب الأميركيين أن بلادهم قطعت علاقاتها رسمياً بمنظمة الصحة العالمية، فالواقع أنها لا تزال عضواً فيها.
وحتى يصبح انسحاب الولايات المتحدة نهائياً، يجب على الجمعية العامة للمنظمة قبولَه رسمياً، وهي خطوة رفضت الولايات المتحدة اتخاذَها. ورغم أن الولايات المتحدة تنازلت عن دورها القيادي، فإن قرار المنظمة إبقاءَ الباب مفتوحاً أمام عودة واشنطن يُعتبر موقفاً حكيماً.
ويستند رفض الجمعية العامة الاعتراف بانسحاب الولايات المتحدة إلى البنية الأساسية للقانون الدولي. فعندما أسّست الدول منظمة الصحة العالمية عام 1945، اتفقت على ألا تمتلك الدول سلطة الانسحاب، مؤكدةً على «الواجب الأسمى» الجماعي للتعاون من أجل الصحة والسلام العالميين. 
وقد أظهرت الجمعية مؤخراً براعتَها في التعامل مع محاولات فك هذه الرابطة، حيث أعاد المجلس التنفيذي للمنظمة التأكيد على أن دستور المنظمة لا يتضمن أيَّ بند يسمح بالانسحاب.
أما في حالة الأرجنتين، التي أعلنت رغبتها في ترك المنظمة، فتعاملت الجمعية مع الأمر بحنكة دبلوماسية، حيث أقرت بتلقِّي إخطار الانسحاب، لكنها اعتبرت أنه لا داعي لاتخاذ «أي إجراء إضافي»، ما يعني أن الأرجنتين لا تزال قانونياً عضواً كامل العضوية في المنظمة.
انضمام الولايات المتحدة لمنظمة الصحة العالمية وقّعه الرئيس هاري ترومان عام 1948. وتضمن القرار شرطين صريحين للانسحاب مستقبلاً: إخطار مسبق لمدة عام، وسداد التزاماتها المالية بالكامل للسنة المالية الحالية. وقد قبلت الجمعية العامة التي تشكّلت حديثاً هذين الشرطين.
وعقب تنصيبه، فعّل الرئيس ترامب إشعار الانسحاب الذي يمتد لعام واحد، ثم وقع لاحقاً أمراً تنفيذياً لإتمام الانسحاب. لكن الإدارة الأميركية رفضت سدادَ مستحقاتها المقررة للسنتين الماليتين 2024 و2025، ما أدى إلى تراكم نحو 280 مليون دولار من المستحقات غير المدفوعة. لذا، قررت منظمة الصحة العالمية أن الولايات المتحدة لا تستطيع قانوناً إتمام انسحابها حتى يتم سداد هذه الديون.
وفي اجتماعها المنعقد في يناير 2026، تجاهل المجلس التنفيذي للمنظمة إصدار أي قرار أو توصية بشأن انسحاب واشنطن. وفي الشهر الماضي، رفضت الجمعية العامة حتى الاعتراف بتسلم خطاب الانسحاب.  
ورغم أن بعض المنتقدين اتهموا أمانةَ المنظمة ومكتبَها القانوني بتجاوز صلاحياتهما التنفيذية عبر تقديم المشورة للمجلس التنفيذي بشأن هذه المسائل، فإن الأمانة العامة ملزمة بتقديم تفسيراتها الدستورية.  
وتفسير منظمة الصحة العالمية للقانون الدولي ليس سليماً فحسب، بل أيضاً يتسم بحكمة استثنائية. فالأزمات الصحية العامة المستمرة تُظهر بوضوح ما تخسره الدول المنسحبة بعزل نفسها عن التعاون الصحي العالمي.. والمنظمة هي الجهة التي تقود الاستجابة لحالات الطوارئ الصحية العالمية المرتبطة بفيروسَي هانتا وإيبولا.
وعندما تُقرّر إدارة أميركية مستقبلية العودة للمجتمع الدولي، لن تكون هناك إجراءات معقّدة للانضمام مجدداً. إذ يمكن للجمعية ببساطة إعادة حقوق التصويت للولايات المتحدة بمجرد سداد المتأخرات. إن إبقاء باب المشاركة مفتوحاً يُعد انتصاراً لمبدأ الشمولية، وللصحة العالمية، وللمصالح الاستراتيجية طويلة الأجل للولايات المتحدة.

 

 

لورانس أو. جوستين* وسام حلبي**

*أستاذ قانون الصحة العالمية بجامعة جورجتاون

**أستاذ في إدارة وسياسات الصحة بجامعة جورج تاون

 

ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست لايسنج آند سينديكيشن»